الشيخ السبحاني
120
مع الشيعة الإمامية في عقائدهم
مسيّر ، وحرٌّ في تصرفاته « 1 » لا مجبور ، له أن يغيّر مصيره ومقدَّره بحسن فعله ، وجودة عمله ، ويخرج اسمه من الأشقياء ، ويدخله في السعداء ، كما أنّ له أن يخرج اسمه من السعداء ويدخله في الأشقياء بسوء عمله . فاللَّه سبحانه كما يمحو ويثبت في التكوين ، فيحيي ويميت ، كذلك يمحو مصير العبد ويغيّره حسب ما يغيّر العبد بنفسه ( فعله وعمله ) لقوله سبحانه : ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) « 2 » ، كل ذلك لأجل أنّ يديه مبسوطتان وأنّ العبد حرُّ مختار ، قادر على تغيير القضاء ، وتبديل القدر ، بحسن فعله أو سوئه ، كما دلّت عليه الآيات والروايات . وليس في ذلك أي محذور ولا مخالفة للعقل ولا الكتاب والسنّة ، بل تغيير القضاء بحسن الفعل وتغيير القدر بسوئه ، هو أيضاً من قدره وقضائه وسننه التي لا تبديل لها ولا تغيير ، فاللَّه سبحانه إذا قدّر لعبده شيئاً وقضى له بأمر ، فلم يقدّره ولم يقضه به على وجه القطع والبتِّ ، بحيث لا يتغيّر ولا يتبدّل ، بل قضى به على وجه خاص ، وهو أنّ القضاء والقدر يجري عليه ، ما لم يغيّر العبد حاله ، فإذا غيّر حاله بحسن فعله أو سوئه ، يتغيّر القضاء ويتبدّل القدر ، ويخلف قضاء وقدر آخر مكانهما الأوّل ، وكل هذه أيضاً قضاء وقدر منه ، كما لا يخفى . وهذا ( البداء في الثبوت ) أولى من التسمية بالمحو والاثبات ، والتغيير والتبديل في الكون وفي مصير الانسان ، غير أنّ المحو والاثبات في الكون بيد اللَّه سبحانه ، يتصرّف فيه حسب مشيئته ، ولا دخل لإرادة الانسان ولصلاح فعله ولا فساده فيه ، وأمّا التغيير في مصير الانسان فيتوقّف تعلّق المشيئة عليه ، على كيفية حال العبد وكيفية عمله من حسن أو قبح .
--> ( 1 ) . لا يخفى أنَّ المقصود من أفعال الانسان التي نثبت اختياره فيها هي الأفعال التي تتعلق بها التكاليف لا الأفعال القهرية التي تصدر من جهازه الهضمي مثلًا . ( 2 ) . الرعد / 11 .